الخطيب الشربيني

562

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

بسم الله الرحمن الرحيم حم إلى قوله تعالى : إِلَيْهِ الْمَصِيرُ وختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا ، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول قد وعدني الله أن يغفر لي وحذرني عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع وأحسن النزوع وحسنت توبته ، فلما بلغ عمر أمره قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زل زلة فسددوه وقفوه وادعوا له الله تعالى أن يتوب عليه ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه . ولما قرر تعالى أن القرآن كتاب أنزله ليهتدي به في الدين ذكر أحوال من يجادل لغرض إبطاله فقال : ما يُجادِلُ أي : يخاصم ويماري أي : يفتل الأمور إلى مراده فِي آياتِ اللَّهِ أي : في إبطال أنوار الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال الدال كالشمس على أنه تعالى إليه المصير بأن يغش نفسه بالشك في ذلك إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا قال أبو العالية : آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن قوله تعالى : ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وقوله تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [ البقرة : 176 ] وعن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن جدالا في القرآن كفر » « 1 » . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : « سمع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قوما يتمارون في القرآن فقال : إنما أهلك من كان قبلكم أنهم ضربوا كتاب الله بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوه وما جهلتم عنه فكلوه إلى عالمه » « 2 » . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : هاجرت إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يوما فسمعت أصوات رجلين اختلفا في آية ، فخرج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال : « إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب » « 3 » . تنبيه : الجدال نوعان : جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل . أما الأول : فهو حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال تعالى لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] وحكى عن قوم نوح قولهم : يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [ هود : 32 ] . وأما الثاني : فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية فجدالهم في آيات الله هو قولهم مرة هذا سحر ، ومرة هذا شعر ، ومرة هو قول الكهنة ، ومرة أساطير الأولين ، ومرة إنما يعلمه بشر ، وأشباه هذا . ولما أثبت أن الحشر لا بد منه وأن الله تعالى قادر كل القدرة لأنه لا شريك له ، وهو محيط بجميع أوصاف الكمال تسبب عن ذلك قوله تعالى : فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ أي : تنقلهم بالتجارات والفوائد والجيوش والعساكر وإقبال الدنيا عليهم فِي الْبِلادِ كبلاد الشام واليمن فإنهم مأخوذون عما قريب بكفرهم أخذ من قبلهم كما قال تعالى : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام بما يحاولونه وكانوا حزبا واحدا لم يفرقهم شيء ، ولما كان الناس من بعدهم قد كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان وكان للإجمال من الردع في بعض المواطن ما ليس للتفصيل ، قال تعالى : وَالْأَحْزابُ أي : الأمم المتفرقة الذين لا يحصون عددا ودل على قرب زمان الكفر من الإنجاء من الغرق بقوله : مِنْ بَعْدِهِمْ كعاد وثمود وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ أي : من هؤلاء بِرَسُولِهِمْ أي : الذي أرسلناه إليهم لِيَأْخُذُوهُ أي : ليتمكنوا من إصابته بما أرادوه من تعذيب أو قتل . ويقال للأسير : أخيذ ، وقال ابن عباس : ليقتلوه ويهلكوه وَجادَلُوا بِالْباطِلِ

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 258 ، 478 ، 494 ، والسيوطي في الدر المنثور 5 / 346 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 421 . ( 3 ) أخرجه مسلم في العلم حديث 2666 .